عبد الملك الجويني

479

نهاية المطلب في دراية المذهب

1360 - وضبط المذهب من طريق المعنى أن المصير إلى الجامع إجابة للداعي ، فكان المرعيُّ فيه سماعَ النداء ، وقوله تعالى : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا } [ الجمعة : 9 ] مشعرٌ باعتبار النداء . ثم قال أئمتنا : إذا أردنا أن نعتبر سماع النداء ، فرضنا كونَ المنادي في جهة القرية الذي نُريد اعتبارَ أمرها ، ونُقدّره على طرف البلدة في تلك الجهة ، ثم نُقدر رجلاً يعدّ صيّتاً عُرفاً ، فإذا نادى في جنح الليل عند زوال اللغط ، وسكون الأصوات ، وركود الهواء ، اعتبرنا بلوغ صوته على هذا الوجه ، ولا بد من اعتبار سكون الرياح ؛ فإن الريح إذا كانت تهب من نحو البلد إلى جهة القرية ، فقد يبعد بلوغ النداء بعداً مسرفاً ؛ لمكان الريح ، ولا يكون هذا بلوغَ النداء ، بل هو حملُ الريح للصوت ، وإن كانت الريح تهب من جهة القرية إلى البلدة ، فإنها تدفع الصوتَ وتمنعه من النفوذ ، فلا يكون قصورُ الصوت بسبب بعد القرية . وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من يعتبر وقوفَ المنادي في وسط البلدة ، وهذا ساقط ، غيرُ معتبر ؛ فإن البلدة في اتساع خِطتها وكبرها ، قد تكون بحيث لو وقف المنادي في وسط البلدة ، لم يبلغ صوتُه الأطرافَ ، فضلاً عن أن يتعداها إلى قُراها . فإن قيل : لم لَمْ تعتبروا النداء في أهل البلدة ؟ قلنا : البلدة بجملتها موضع الجمعة ، فلا قُطر فيها إلا ويمكن إقامة الجمعة فيه ، ونحن إذا كنا نراعي في القرى بلوغَ النداء ، نعتبر موقف المنادي على الطرف في تلك الجهة ؛ فما من جادّة معدودةٍ من البلد ، إلا ويتأتَّى فيها فرض وقوف المنادي . فأهل البلدة داخلون تحت النداء المقدّر ، فهذا واضحٌ . وكان شيخي يقول : لو فرضت قريتان في جهةٍ واحدةٍ ، وكانت إحداهما في وهدةٍ ، وكان النداء لا يبلغها لذلك ، وكان يبلغ القريةَ الأخرى الموضوعة على الاستواء ، وهي في مثل مسافة القرية الأولى ، فيجب على أهل القرية الموضوعة في الوهدة الجمعةُ ، نظراً إلى المسافة في الاستواء ، ومصيراً إلى أنهم في محل سماع النداء ، ولكن انخفاضَ قريتهم مانع من السماع .